الدلة والفنجان
وسم للتراثيات
وسم للتراثيات
14 يوليو 2024

الدلة والفنجان

لا تقل أو تختلف، مستويات شهرة أدوات تصنيع القهوة وأساليب تقديمها، عن حقيقة كونها تعد، وبكل أنواعها، المشروب الأكثر شهرة في العالم. إذ يتفنن الناس في أشكال وأنواع هذه الأدوات، من دلال وفناجين، حتى أنها أصبحت رمزاً في بعض الأحيان، خاصة في الدول العربية، لأنها تعتبر فيها، تجسيداً لكرم الضيافة العربية الأصيلة.

 عرفت صناعة الدلال التقليدية والسيوف والخناجر، عند العرب، منذ عصور ما قبل الإسلام. وذلك لما لها من مكانة عندهم، إذ اشتهروا بكرم الضيافة، وحسن الاستقبال فكانت الدلة ولا تزال، الوسيلة الوحيدة لصب القهوة التي لابد أن يشربها كل ضيف، لدرجة أن من يرفض فنجان القهوة. كأنما يطلب من صاحب المجلس طلباً لابد أن ينفذه.

ورغم طغيان تقاليد الحياة العصرية على الناس، إلا أنهم لا يزالون يحتفظون بتقاليد معينة، من التقاليد الكثيرة التي عرفت عند تقديم القهوة، كما بقوا يتفننون بشكل وأنواع الدلال والفناجين، ويعكسون بهذا مهارتهم المتنوعة.

 أنواع الدلال:

هناك تقاليد معينة لتقديم القهوة، وكذلك أوان خاصة، عند أهل البادية، وتوجد للدلة (وجمعها دِلال)، أنواع مختلفة، وهي أحياناً، تضطر بعض المُضيفين لاستحضارها من بلدان بعيدة وبأسعار باهظة، ذلك طمعاً في السمعة الكبيرة في هذا الشأن. وأما الدلال المشهورة، فهي التي تصنع من النحاس الأصفر أو الأحمر، وتطلى (ترب) من الداخل.

وتستخدم يومياً. وتكون مصفوفه في الوجار، أو تعلق بسلسلة حديدية فوق الوجار. وعادة ما تصنع من الفضة أو البرونز أو النحاس، أو من المواد الثلاث مجتمعة، بأشكال عديدة. وتتميز بفمها الهلالي المتدلي من جسمها كمنقار طير، وبجسمها الأسطواني الشكل، وبرأسها المستدير على شكل قمع.

وأنواع الدلال كثيرة، فمنها: الحساوية والعمانية والرسلانية والقرشية. وأما أقدمها وأثمنها وأجودها، فالبغدادية. ويوضع اسم كل نوع من أنواع الدلال على مكان صنعها، باستثناء الرسلانية التي تنسب لأسرة رسلان في الشام، والقرشية التي تصنع في مكة. والتي عادة ما تصنع من الفخار أو من النحاس المطلي بالرباب.

وتعرف الدلال الجيدة من شكلها الخارجي أو من الختم الذي عادة ما يكون على البدن، ويحمل اسم صانعها. وربما توضع علامات على المقبض، مثل خطوط متجاورة أو زخارف هندسية.

وأما عدد الدلال المستخدمة في صنع القهوة وتقديمها، فيختلف من منطقه لأخرى، ومنهم من يستخدم أربع أو ثلاث أو اثنتين. أما المعتاد فهو استخدام ثلاث. وهي المطباخة أو القمه، وفيها تغلى القهوة، وعادة ما يكون غطاؤها مسطحاً، والمصفاة التي تكون لأكبر دلة، وفيها تجمع بقايا القهوة، كما تصفى بها القهوة. وأخيراً، المبهارة أو المزل، وهي الدلة التي تقدم بها القهوة للشرب.

 أدوات الصنع:

توجد مراحل عديدة لعملية تحضير القهوة العربية، تبدأ من وضع حبوب البن على النار، بواسطة إناء معدني مقعر، يسمى "المحماسة". وفيها يحرك البن بواسطة عصيتان من الحديد، تشبهان الملعقة الطويلة، 1ذلك حتى تنضج جميعها، ومن ثم تطحن القهوة بواسطة إناء معدني، يسمى "النجر". ومن بعدها، تخلط مع بهاراتها المعروفة، كالقرنفل والزعفران والهيل، في دلة كبيرة تسمى "القمقوم" أو "المبهار".

وتُسكب بعد عمليات مركبة، عديدة، في دلة مناسبة، وتقدم للضّيوف. لكن هذه الأدوات تطورت الآن، فـالنجر مثلاً، غدت تقابله الطاحونة أو المطحنة الكهربائية، والمحماسة تقابلها المحمصة الكهربائية، والدلة تقابلها الحافظات أو "الترامس".

 تقاليد :

لتقديم القهوة العربية عادات قبلية متعارف عليها بين الناس وجميع القبائل. ويجب على من يقوم بتقديم القهوة للضيوف، أن يسكب القهوة، وهو واقف يمسك بها في يده اليسرى، ذلك من أجل أن يقدم الفنجان باليد اليمنى. ويشترط أن تكون القهوة بالفنجان مسكوبة بكمية محددة، لا أن تملأه. وبذا تصب القهوة في الفنجان بمعيار نصف مقداره، وإذا امتلأ الفنجان.

وقدم للضيف هكذا، فإن الأمر يعد إهانة. كما يجب على من يصب القهوة، ألا يجلس أبداً، حتى ينتهي جميع الحاضرين من شرب القهوة. وعند سكب القهوة وتقديمها للضيوف يجب أن تكون البداية من اليمين، عملاً بالسنة الشريفة، أو البدء بالضيف مباشرة، إذا كان من كبار السن. والمتعارف عليه، تكرار صب القهوة حتى يقول الضيف "كفى" أو يهز فنجان القهوة. ومن مهارات صب القهوة، أن يصدر "القهوجي"، أي الذي يقدم القهوة للضيوف، صوتاً خفيفاً، مصدره اصكاك الفناجين ببعضها البعض.

ويقصد بهذه الحركة، تنبيه الضيف إذا كان سارحاً، ويمكن إصدار هذا الصوت عند تقديمها في مناسبات الأفراح. أما في الأحزان، كالعزاء على سبيل المثال، فعلى مقدم القهوة ألا يصدر صوتاً، ولو خفيفاً. كما أنه مِن مهارة شرب القهوة، أن يهز الشارب الفنجان يميناً وشمالاً، حتى تبرد القهوة وترتشف بسرعة.

ووصل احترام البدو والعرب، في السابق للقهوة، أنه إذا كان لأحدهم طلب عند شيخ العشيرة أو المضيف، يضع فنجانه وهو مليء بالقهوة، على الأرض، ولا يشربه، فيلاحظ المضيف أو شيخ العشيرة ذلك، ومن ثم يبادره بالسؤال: "ما حاجتك؟" فإذا قضاها له، أَمره بشرب قهوته اعتزازاً بنفسه. وإذا امتنع الضيف عن شرب القهوة وتجاهله المضيف ولم يسأله ما طلبه، فإن ذلك يعد عيباً كبيراً في حقه.

وينتشر أمر هذا الخبر في القبيلة. وأصحاب الحقوق عادة يحترمون هذه العادات فلا يبالغون في المطالب التعجيزية ولا يطلبون ما يستحيل تحقيقه، ولكل مقام مقال. ولفناجين القهوة وشربها، أوقات الحرب معان محددة، ومن تقاليد القبائل كافة، في السابق، أنه إذا حدث بينها شجار أو معارك طاحنة، وأعجز إحدى القبائل، بطل معين، كان شيخ العشيرة يجتمع بأفرادها ويقول: "من يشرب فنجان فلان".

ويشير بذلك إلى بطل محدد، ويقصد من وراء ذلك، من يتكفل به أثناء المعركة، فيقتله. وهنا يقول أشجع أفراد القبيلة: "أنا أشرب فنجانه". وبذلك يقطع على نفسه عهداً أمام الجميع بأن يقتل ذلك البطل أو يقتل هو في المعركة. وأي عار يجلبه هذا الرجل على قبيلته إذا لم ينفذ وعده! وهكذا تحولت القهوة من رمز للألفة والسلام، إلى نذير حرب ودمار.

  في الأمثال:

تقول العرب عن لذة شرب القهوة: "الفنجان الأول لراسي، والثاني لباسي، والثالث لعماسي". والقصد أن الأول وهو لرأسي: أي يزيل النعاس عن رأسي أو عقلي، ويجعله متحفزاً. أما الفنجان الثاني لبأسي: أي يزيدني بأساً وشجاعة. والمقصود بالفنجان الثالث يطير "العماس"، أنه يزيل الصداع واللبس واختلاف الأمور. أي الفنجان الثالث يصفي عقلي، ويطرد منه الصداع واللبس والاختلال، فيصبح ذهني نشيطاً وعقلي متوقداً.

وفي مضايف بدو الشام، يجعلون ترتيب الفناجين ثلاثة. ولهذا يقولون :"فنجان الضيف، فنجان الكيف، وفنجان السيف". ويقصد أن فنجان الضيف، فنجان الترحيب بالقادم، وفنجان الكيف، أي أن الذي يشربه يكون صاحب كيف، ومعتاداً على شرب القهوة، والفنجان الأخير:

السيف، وهو الذي يعرض على الضيف بعد الأول والثاني، من دون فاصل زمني، وربما سمي هكذا لأن به مغزى يشير إلى أن شاربه أصبح في جملة أهل القبيلة التي نزل فيها، ويشاركهم بسيفه مدافعاً، إذا داهمهم غزو أو خطر، وهو غير متردد في الإقدام على الخطر.

وحين يقال: "قهوتكم مشروبه"، فذلك كناية عن عبارة شكر مهذب، تقال في معرض رفض أدبي لفنجان قهوة يعرض داخل المنزل. وأما" قهوتكم مشروبه ووجوهكم مقلوبة"، فكناية عن عبارة شكر تقال في سياق معاتبة غير لائقة، على العكس من ما جرت عليه العادة. وفي الأمثال الإماراتية، يقال "اللي ما عنده دلة ما حد يندله"، والقصد أن الذي لا يقدم القهوة العربية بدلته كبرهان على كرمه وضيافته، فلا أحد يعرف له مكاناً، أو لا يزوره الناس.

وبالنسبة لتقاليد صناعة القهوة، يشير المثل الفلسطيني "اجرشها جرش واطبخها هرش"، إلى المدة الطويلة التي يتطلبها تحميص القهوة وغليها. كما يقال في الشام: "لكل صبية ركوة". والأمثال لم تقتصر على العرب، فالمثل الفارسي يقول: "النجاة في نهاية الفنجان".

ومن المتعارف عليه في عملية صب القهوة، أن الفنجان يجب أن يكون سليماً، فمن غير المحبذ شرب القهوة بفنجان مكسور، بل يعتبره البعض تقليداً يجلب الشؤم.

 فنون الدلال:

تعد الدلة، بحد ذاتها، قطعة فنية، ولا مجرد وعاء نحاسي بسيط، خاصة تلك المصنوعة يدوياً، والتي كثيراً ما تحمل بصمات صانعها الحرفي الخبير، ورغم ذلك، فكثيراً ما رسم الفنانون في لوحاتهم التي تجسد الطبيعة الصامتة، الدلة والفناجين. كما نحتوا شكل الدلة بخامات مختلفة:

الرخام أو الأحجار المختلفة. أو صنعوا مجموعة دلال عملاقة من البرونز أو النحاس، مثل تلك الموجودة في حديقة قرية التراث على كاسر الأمواج في أبوظبي، وذات مرة، حوّل الفنان السوري عبدالله سلمان، وهو من هواة النحت، كتلة صخرية من الحجر البازلتي القاسي تزن ستة أطنان، إلى تحفة فنية تمثل دلة مكتملة المواصفات الفنية، تحمل نقوشاً تزينيه من الطبيعة، وتعد هذه المنحوتة، من أكبر المنحوتات البازلتية، حتى الآن، ضمن كامل ما تتألف منه مجموعات دلال ومصاب القهوة العربية. ووصل طول الدلة تلك.

والتي استغرق صنعها 1200 ساعة، إلى 170 سم، ويبلغ طول المصب 50 سم، وطول قبضة اليد 110 سم. وعرضها هو 11 سم. وأما سماكة القبضة، فهي 6 سم. بينما أن محيط الجزء السفلي من الدلة هو 171 سم، ومحيطها من الوسط 200 سم. كما أن محيط العنق من الأعلى، 107 سم. ويبعد تجويف اليد عن جسم الدلة، 33 سم. يوجد في حي "مالا سترانا" في براغ في التشيك، متحف القهوة، وفيه يمكن التعرف على طريقة زراعتها، ومراحل إعداد وصناعة هذا المشروب، ويعد هذا المتحف، الثالث في أوروبا، بعد متحفي أمستردام ولندن.

اكبر فنجان قهوة:

 سجلت شركة منتجة للبن في بنما، في العام 2007، رقماً قياسياً جديداً في إعداد أكبر فنجان قهوة في العالم، إذ استوعب 2840 ليتراً، واستخدمت فيه الشركة، 36 كيلو غراماً من البن العربي، ووصل ارتفاع الكوب العملاق الذي حوى الكمية، إلى 2075 سنتيمتراً، بسعة 1.5 متر. واستغرق تحضيره أربع ساعات، وبهذا تحطم الرقم السابق، والذي كانت قد سجلته الولايات المتحدة الأميركية في العام 1994، عندما أعد كوب من القهوة، يتسع لـ 2500 ليتر.